ابن الفارض

160

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

( طرب ) يطرب طربا بكسر العين في الماضي ، وفتحها في الغابر : اهتزّ سرورا ، وأراد بالسرور باطن القلب ، أي : بسبب أن مشاهدة الحسن تدهش العقل ، وتسكر الروح والقلب إسكارا غريبا عجيبا من غير سكر معهود للناس ، أعجب من سكري بغير مدامة تعرف بالإسكار ، وأطرب بهذا السكر في سرّي وقلبي ، لا في نفسي وطبيعتي ، والحال أن طربي هذا ناشىء من ذاتي لا من غيري ، ويحتاج في شرح هذا البيت إلى بيان السكر والعجب والطرب ، فالسكر كما مرّ دهش يحصل استتار نور العقل بغاشية ظلمانيّة أو نورانية . أما الغاشية الظلمانية ، فهي أبخرة ثائرة من المعدة متصاعدة نحو الدماغ من تناول مسكر يغشى نور العقل المنعكر في مرآة القوى الحسّاسة ، والنورانية أشعة ساطعة من عين الذات تغشى نور العقل بغلبة إشراقها ، فإن النور كما يستر بالظلمة يستر بنور غالب كنور الكواكب مستتر تارة بظلمة السحاب ، وأخرى بنور الشمس ، والسكر الحاصل من استتار نور العقل بحجاب ظلماني مذموم لا ينبغي لأحد تناول ما يوجبه كالمدامة وغيرها ؛ لأن النفس حينئذ تنشط من عقال العقل الخالع عليها لباس الوقار ، وترتع في مراتع الهلكة خليفة العذار ، بانقلابها عن شرك العبودية والاصطبار ، فلما انقشعت صبابة تلك الغاشية ، وأشرقت أرض الوجود بنور العقل عاد مقبلا على النفس باللّائمة أشدّ مما كان . وأمّا السكر الحاصل من استتار نور العقل بنور الذات ، فمعبور ينبغي لكل سالك أن يجتهد في تحصيله ببذل الروح ؛ لأن القلب حينئذ ينشط من عقال العقل المفرق في وادي الفرقة يطرب بانقلابه عن شرك عبوديّة النفس مطلقا في فضاء الحرية ، وأما ( العجب ) [ 199 / ق ] ، وللعجب فاستغراب شيء غير معهود . وأما ( الطرب ) ، فحالة تستقر النفس ، وهو مذموم ، أو تنهض القلب وهو محمود ، فقوله : ( فاعجب من سكري بغير مدامة . . . الخ ) إشارة إلى سكره المحمود الغريب العجيب من غير تناول منكر ، وطربه المحمود في قلبه وسرّه لا في نفسه ، وأنه لم ينشأ من أمر خارج عنه بل من ذاته ، ولمّا كان اهتزاز قلب المحبّ وارتعاش مفاصله لمشاهدة الروح جمال الذات وجلالها يحاكي رقص القالب وتصفيق الشاوي بسبب غناء مغنية ، قال : فيرقص قلبي ، وارتعاش مفاصلي * يصفّق كالشّادي ، وروحي قنيتي ( صفق ) يصفق تصفيقا : ضرب بيديه ، و ( شدا ) يشدو أشدو فهو شادي : غنّى ، و ( القينية ) : مغنية استعارها للروح من جهة المحاكاة المذكورة بين مشاهدتها ، وغناء المغنية في الاضطراب ، والمراد من البيت بيان معنى قوله : ومني طربتي ، أي : لا